لبنان: سلاح الفصائل الفلسطينية ورقة تفاوض معقدة تعيق نزع السلاح

A Lebanese soldier sits on an armored personnel carrier at the entrance of Burj Barajneh Palestinian refugee camp in southern Beirut, Lebanon, 21 August 2025. EPA/WAEL HAMZEH
الصورة: EPA/WAEL HAMZEH عبر News

تسلّم الجيش اللبناني، منذ أغسطس/آب 2025، جزءاً كبيراً من الأسلحة المتوسطة والثقيلة التابعة لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية (PLO) في لبنان. تأتي هذه التطورات في سياق مساعٍ حثيثة لضبط السلاح الفلسطيني خارج إطار الدولة اللبنانية، وذلك بهدف تعزيز الاستقرار والأمن في البلاد. وقد شكلت هذه الخطوة جزءاً محورياً في الجهود الوطنية والدولية الرامية إلى معالجة قضية السلاح غير الشرعي في الأراضي اللبنانية، وتحديداً الأسلحة المتوسطة والثقيلة التي كانت تشكل تحدياً أمنياً.

في المقابل، رفضت حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني (Palestinian Islamic Jihad) وفصائل أخرى متحالفة معها قرارات القمة اللبنانية-الفلسطينية التي تناولت نزع السلاح. يشير هذا الرفض إلى استمرار الانقسام العميق بين الفصائل الفلسطينية بشأن قضية السلاح وتأثيره المباشر على الاستقرار في لبنان، مما يعكس تعقيد المشهد السياسي والأمني. وقد جاء هذا الرفض بشكل صريح من قبل هذه الفصائل، مما يبرز التحديات الكبيرة التي تواجه جهود نزع السلاح الشاملة في لبنان.

تطورات نزع السلاح في لبنان

سلّم حوالي 60 بالمائة من أسلحة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية (PLO) في لبنان إلى الجيش اللبناني، وفقاً للتطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة اللبنانية. وتتألف غالبية الأسلحة المتبقية التي بحوزة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية من أسلحة خفيفة، مما يشير إلى تقدم كبير في عملية نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. هذه الخطوة تأتي ضمن الجهود المستمرة لضبط السلاح الفلسطيني خارج إطار الدولة اللبنانية، مما يعكس تقدماً ملموساً في مساعي نزع السلاح التي بدأت في أغسطس/آب 2025، وتحديداً في مجال السيطرة على الأسلحة التي يمكن أن تشكل تهديداً كبيراً للاستقرار.

في إطار تعزيز سيادة الدولة، سيطر الجيش اللبناني على مواقع تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة (Popular Front for the Liberation of Palestine-General Command) في القُصَيّة وسلطان يعقوب، وذلك في نهاية عام 2024 وبداية عام 2025. تضمنت عملية السيطرة هذه الاستحواذ على أسلحتها ومعداتها وصواريخها، في خطوة تؤكد عزم الدولة على بسط نفوذها على كامل الأراضي اللبنانية. وتعد هذه الخطوة جزءاً من عملية أوسع لتعزيز سيطرة الدولة على الأراضي اللبنانية وضبط الترسانات غير الحكومية، مما يمثل تحولاً مهماً في ميزان القوى ويؤكد قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه الأمنية.

وفي تطور آخر يعكس التزام بعض الفصائل بعملية نزع السلاح، بدأت حركة فتح الانتفاضة (Fatah al-Intifada) بتسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة للجيش اللبناني في مخيم البداوي بشمال لبنان. جرى هذا التسليم قبل شهر من تاريخ 30 أغسطس/آب 2026، مما يبرهن على استعداد هذه الحركة للتعاون مع السلطات اللبنانية في إطار جهود نزع السلاح. هذه الإجراءات مجتمعة تشير إلى تقدم ملموس في جهود نزع السلاح من الفصائل الفلسطينية التي أبدت استعداداً للتعاون مع السلطات اللبنانية، وإن كان التقدم يسير بوتيرة متفاوتة بين الفصائل المختلفة، مما يسلط الضوء على الطبيعة المعقدة لهذه العملية التي تتطلب جهوداً دبلوماسية وأمنية متواصلة.

فصائل فلسطينية وتوزيع السلاح

تتركز الأسلحة الرئيسية لحركة حماس في مخيم الرشيدية جنوب نهر الليطاني، وتشمل صواريخ غراد ضمن ترسانتها، مما يثير مخاوف بشأن القدرات العسكرية لهذه الحركة في لبنان. وتُقسّم القوى المسلحة الفلسطينية في لبنان بشكل عام إلى ثلاث مجموعات رئيسية: فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وحركتا حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني (Palestinian Islamic Jihad)، بالإضافة إلى فصائل مرتبطة بالنظام السوري السابق. هذا التصنيف يوضح التنوع والتعقيد في بنية القوى الفلسطينية المسلحة وتوجهاتها المختلفة، ويبرز التحديات الأمنية المتعددة التي تواجهها الدولة اللبنانية.

تشمل الفصائل المرتبطة بالنظام السوري السابق كلاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، وفتح الانتفاضة (Fatah al-Intifada)، والصاعقة. فقدت هذه الفصائل الثلاثة المرتبطة بسوريا دعمها السياسي والعسكري من دمشق بشكل كبير بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وقد أثر هذا التطور بشكل مباشر على ديناميكية نفوذها وقدرتها على الاحتفاظ بالسلاح داخل الأراضي اللبنانية، مما دفع بعضها إلى التعاون في جهود نزع السلاح. هذا التغير في الدعم الإقليمي أحدث تحولاً في المشهد الأمني والعسكري لهذه الفصائل، وأضعف من قدرتها على العمل بشكل مستقل بعيداً عن سيطرة الدولة اللبنانية.

رفض القمم وربط المصير

عُقدت القمة اللبنانية-الفلسطينية في 21 مايو/أيار 2025، وشهدت لقاءً رفيع المستوى بين الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس الفلسطيني محمود عباس. جاءت هذه القمة في سياق الجهود الدبلوماسية المبذولة لمناقشة قضية السلاح الفلسطيني في لبنان وتأثيره على الاستقرار الإقليمي، بهدف التوصل إلى حلول توافقية. إلا أن فصائل فلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني رفضت قرارات هذه القمة، مما يعكس استمرار الانقسام حول مسألة نزع السلاح ويبرز التحديات التي تواجه أي اتفاق شامل في هذا الصدد. هذا الرفض يؤكد أن مسألة السلاح الفلسطيني في لبنان لا تزال نقطة خلاف جوهرية بين الأطراف المعنية، وتستدعي المزيد من الجهود الدبلوماسية لمعالجتها.

في سياق متصل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نهاية يوليو/تموز أن "مجلس السلام" الذي يترأسه قد توصل إلى اتفاق يدعو إلى "نزع السلاح الكامل" لحماس والجماعات المسلحة الأخرى في قطاع غزة. يعكس هذا الإعلان ضغوطاً دولية متزايدة ومكثفة على الفصائل الفلسطينية المسلحة، ليس فقط في لبنان ولكن أيضاً في الأراضي الفلسطينية، مما يضفي بعداً إقليمياً ودولياً على قضية السلاح. تتقاطع هذه التطورات مع التحديات التي تواجه لبنان في ضبط السلاح خارج إطار الدولة، وتزيد من تعقيد مساعي نزع السلاح في المنطقة ككل، مما يجعلها قضية متعددة الأوجه تتطلب مقاربات شاملة وتنسيقاً دولياً وإقليمياً لضمان تحقيق الاستقرار المنشود.