أصدرت السفارة الأميركية في لبنان بياناً رسمياً من مقرها في عوكر، حددت فيه واشنطن موقفها الواضح والصريح من الملفات اللبنانية الحساسة. جاء هذا البيان بعد أربع وعشرين ساعة من تصريحات أدلى بها الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، والتي أثارت نقاشاً واسعاً حول مسارات التفاوض المحتملة. وقد حث البيان، الذي صدر عن السفارة الأميركية، الدولة اللبنانية على الاضطلاع بدورها القيادي وإدارة هذا الملف بنشاط وفعالية، محذراً في الوقت ذاته من مخاطر وجود مسارات رسمية وأخرى بحكم الأمر الواقع تعمل بالتوازي، مما قد يؤدي إلى تعقيد المشهد السياسي والأمني. وأكدت السفارة الأميركية في بيانها بشكل قاطع أن "حزب الله يتلقى أوامره من إيران"، في إشارة واضحة إلى ما تعتبره واشنطن نفوذاً خارجياً على قرار الحزب.
خلفية التصريحات ومساعي التواصل الدبلوماسي
في سياق متصل، كرر الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، رفضه القاطع للمفاوضات الثلاثية وصيغة "الإطار" بشكل متكرر، مؤكداً على موقف حزبه الثابت من هذه المسائل. وقد شدد الشيخ نعيم قاسم على أن حزبه يتمسك بالاتفاق المبرم في 27 نوفمبر 2024، معلناً رفضه القاطع لأي وساطة أميركية في هذا الشأن، مما يعكس إصرار الحزب على مواقفه المعلنة واستقلالية قراراته المتعلقة بهذا الاتفاق. وفي المقابل، تحدث محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله، في تصريحات له عن وجود "باب مفتوح للتفاوض"، مما أثار تساؤلات حول مدى التباين في المواقف داخل الحزب. وأشار قماطي في تصريحاته إلى أن السفيرة الأميركية في لبنان، ميشيل إيليا، كانت قد عرضت لقاء قيادة حزب الله، وهو ما يعكس محاولات أميركية لفتح قنوات اتصال مباشرة. وألمحت تصريحات قماطي إلى أن المفاوضات مع الأميركيين ليست مغلقة من حيث المبدأ، موضحاً أن قناة اتفاق إسلام آباد، المرتبطة بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، هي المسار المتبع في هذا الشأن، مما يربط المسار اللبناني بمسار أوسع بين واشنطن وطهران.
وفي سياق متصل لهذه المساعي الدبلوماسية، كان المبعوث الأميركي توم باراك قد اقترح في وقت سابق التواصل مع حزب الله، في خطوة تعكس رغبة أميركية في استكشاف سبل الحوار. كما قامت السفيرة الأميركية في لبنان، ميشيل إيليا، بإضفاء الطابع الرسمي على دعوة التواصل هذه، مما يؤكد جدية واشنطن في هذا المسعى. وفي تطور آخر يبرز تعقيد الشبكة الدبلوماسية، أرسلت شخصية خليجية بارزة، تتمتع بعلاقات وثيقة مع إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ورقة مكتوبة تتضمن عدة نقاط إلى قيادة حزب الله. وقد أُرسلت هذه الرسالة من الشخصية الخليجية عبر مسؤول أمني لبناني، مما يشير إلى قنوات اتصال غير مباشرة ومتعددة الأطراف تسعى للتأثير في المشهد اللبناني.
موقف واشنطن من دور حزب الله وإيران والرفض الأميركي للمفاوضات المستقلة
أكد الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في سياق متصل، تمسك حزبه بالاتفاق المبرم في 27 نوفمبر 2024 ورفض أي وساطة أميركية في هذا الشأن، مما يعكس إصرار الحزب على مواقفه المعلنة واستقلالية قراراته المتعلقة بهذا الاتفاق. في المقابل، أكدت أوساط دبلوماسية أميركية أن هدف واشنطن الأساسي يتمثل في إنهاء الدور العسكري لحزب الله في المنطقة، وهو ما يتناقض بشكل مباشر مع طبيعة الحزب كقوة عسكرية وسياسية رئيسية في لبنان.
جاء ذلك في ظل تصريحات متضاربة من الطرفين، حيث صرح رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، في وقت سابق بأن "لدينا تأثيراً على حزب الله وقراراته"، مما يعكس عمق الارتباط بين الجانبين ويؤكد الرؤية الأميركية لوجود نفوذ إيراني مباشر على الحزب. وقد وصف مراقبون الوضع الحالي بأنه "تفاوض على التفاوض"، خاصة في ظل الضغط العسكري الإسرائيلي المستمر على لبنان والمنطقة، بالإضافة إلى العقوبات المالية المفروضة على حزب الله وداعميه، مما يزيد من تعقيد أي مساعي للحل.
وفي وقت سابق، أبلغت إيران واشنطن عبر قنوات التفاوض القائمة بينهما بأنها لا "تثق" بالهيكل الحالي للسلطة اللبنانية، مقترحةً تغييرات محتملة. إلا أن البيت الأبيض رفض هذا الاقتراح الإيراني بخصوص هيكل مختلف للسلطة اللبنانية، مؤكداً على دعمه الثابت للتركيبة الحالية للدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. ويأتي هذا الرفض ليؤكد التزام واشنطن بسيادة لبنان واستقلالية قراره الوطني. وقد شدد بيان السفارة الأميركية على رفض واشنطن لأي صيغة توافقية مستقلة مع الحزب خارج إطار الدولة اللبنانية، مما يؤشر إلى عدم قبول الولايات المتحدة بأي ترتيبات تمنح حزب الله وضعاً خاصاً أو تفاوضياً يتجاوز سلطة الحكومة اللبنانية، ويؤكد على أن المسار الوحيد الذي يمكن أن يسلكه حزب الله للانتقال من دور عسكري إلى سياسي يمر حصراً عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
تداعيات الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة على لبنان
جددت إسرائيل مؤخراً حملتها الإعلامية المكثفة ضد الجيش اللبناني، مما زاد من حدة التوترات الإقليمية وأثار مخاوف من تصعيد محتمل في المنطقة. وفي سياق متصل، أرسلت إسرائيل إحداثيات لمواقع حساسة في منطقة النبطية الجنوبية، بالإضافة إلى صور لغارات جوية سابقة، إلى الجيش اللبناني عبر القناة الأميركية، في خطوة فُسرت على أنها ضغط مباشر وتهديد مبطن. وقد رفضت قيادة الجيش اللبناني الامتثال لهذه المطالب الإسرائيلية دون الحصول على ضمانات حازمة وواضحة بأن إسرائيل لن تتقدم نحو تلك المواقع، مما يعكس إصرار الجيش اللبناني على حماية سيادة البلاد وسلامة أراضيها.
تأتي هذه التطورات في ظل تقارير تفيد بأن المساعدات العسكرية الأميركية، التي قيل إنها كانت جاهزة للإفراج عنها قبل زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن، لم تُفرج عنها بعد، مما يثير تساؤلات حول التزام واشنطن بدعم المؤسسة العسكرية اللبنانية في ظل هذه الظروف المعقدة. وعلى الرغم من ذلك، جرى تحديد أوجه صرف حزمة مساعدات بقيمة 35 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار بعض أشكال الدعم. وفي تطور آخر يثير القلق العميق، هناك رفض متزايد لتجديد ولاية قوات اليونيفيل، وهي خطوة قد تزيد من الفراغ الأمني في الجنوب اللبناني وتزعزع الاستقرار على الحدود. يضاف إلى ذلك عدم وجود اتفاق واضح حول تأمين قوة بديلة، أو تحديد مهامها بشكل دقيق، أو سبل تمويلها المستقبلي، مما يعمق حالة عدم اليقين بشأن الوضع المستقبلي للمنطقة الحدودية الحساسة.
تأكيد أميركي على سيادة الدولة اللبنانية ورفض النفوذ الإيراني
أكد بيان السفارة الأميركية في عوكر بشكل لا لبس فيه أن المسار الوحيد الذي يمكن أن يسلكه حزب الله للانتقال من دور عسكري إلى دور سياسي مشروع يمر حصراً عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. وقد شددت السفارة على هذه النقطة المحورية، مما يعكس رؤية واشنطن لدور الدولة كمظلة وحيدة وشرعية لجميع الأطراف السياسية والعسكرية في البلاد، وضرورة خضوع الجميع لسلطتها.
ووجه البيان الأميركي رسالة واضحة وقوية ضد حزب الله، حيث أكد أن واشنطن لن تقبل بأي صيغة توافقية مستقلة مع الحزب خارج إطار الدولة اللبنانية. يؤشر ذلك إلى رفض الولايات المتحدة لأي ترتيبات تمنح حزب الله وضعاً خاصاً أو تفاوضياً يتجاوز سلطة الحكومة اللبنانية المركزية، ويؤكد على أن أي حوار أو اتفاق يجب أن يتم تحت مظلة الدولة. وقد حث البيان أيضاً الدولة اللبنانية على إدارة هذا الملف بنشاط وفعالية، محذراً من مخاطر وجود مسارات رسمية وأخرى بحكم الأمر الواقع تعمل بالتوازي.
كما أبلغ البيان إيران بشكل حاسم بأن قرار فصل لبنان عنها هو قرار نهائي لا رجعة فيه، وأن على طهران احترام سيادة لبنان واستقلاله. هذه الرسالة تؤكد موقف الولايات المتحدة الرافض لأي نفوذ إيراني يتجاوز سيادة الدولة اللبنانية، وتشدد على ضرورة استقلال القرار اللبناني عن أي إملاءات خارجية، مما يعزز موقف واشنطن الداعم للبنان كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة.