يواجه لبنان تحديات أمنية وسياسية متصاعدة مع اقتراب موعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب لبنان بنهاية عام 2026. وتأتي هذه التطورات في ظل مخاوف متزايدة من فراغ محتمل في السلطة قد يؤثر على الاستقرار الإقليمي الهش. وفي هذا السياق، يجري الاتحاد الأوروبي تقييمات مكثفة لمهمة بديلة محتملة في المنطقة، سعياً لضمان استمرارية الدعم الأمني والمدني. هذه الجهود تأتي في وقت لا يزال فيه حوالي 335,000 شخص نازحين داخل لبنان، مما يضيف إلى الضغوط الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية القائمة في البلاد. وتتزايد النقاشات حول سبل ضمان الاستقرار المستمر في جنوب لبنان بعد انتهاء الولاية الحالية لقوة اليونيفيل، مع الأخذ في الاعتبار الوضع الإنساني المعقد والتحديات الأمنية المستمرة.
تاريخ مهمة الأمم المتحدة في لبنان ودورها المتطور
تأسست قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) في 19 مارس 1978، وذلك في أعقاب الغزو الإسرائيلي الذي عرف باسم عملية الليطاني. كانت مهمة القوة في بدايتها محددة بثلاثة أهداف رئيسية: تأكيد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، واستعادة السلام والأمن الدوليين في المنطقة، ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعالة والكاملة في جنوب البلاد. وشهدت ولاية هذه البعثة توسعًا كبيرًا بعد حرب عام 2006 المدمرة التي اندلعت بين إسرائيل وحزب الله، مما عكس الحاجة إلى دور دولي أكثر شمولاً وتعقيداً.
بعد الحرب، أضاف قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701 مهام جديدة وموسعة إلى بعثة اليونيفيل. شملت هذه المهام مراقبة وقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة، وتقديم الدعم اللوجستي والتدريب للقوات المسلحة اللبنانية (LAF) في انتشارها في جنوب لبنان، والمساعدة في ضمان وصول المساعدات الإنسانية الضرورية إلى السكان المدنيين المتضررين. تهدف هذه الإضافات إلى تعزيز الاستقرار على طول الخط الأزرق، الذي يمثل خط الانسحاب بين لبنان وإسرائيل، ومنع أي تصعيد مستقبلي للصراع، وبالتالي المساهمة في بناء بيئة أكثر أمانًا للمجتمعات المحلية.
مقترح المهمة الأوروبية وتحدياتها الراهنة
في ظل هذه التطورات، عمم الاتحاد الأوروبي اقتراحًا من خدمة العمل الخارجي الأوروبي (EEAS) لمهمة عسكرية ومدنية محتملة. تقترح هذه المهمة، التي تمتد لثلاث سنوات، تقديم المشورة والتدريب للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي (ISF)، بهدف تعزيز قدراتها الأمنية والاستقرارية. يأتي هذا الاقتراح في سياق تقييم الاتحاد الأوروبي لمهمة بديلة محتملة في المنطقة، كجزء من جهوده لمعالجة الفراغ المحتمل في السلطة بعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام الحالية. هذا التحرك الأوروبي يعكس القلق الدولي من تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة.
من جانبها، لم تُمنح قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) مطلقًا صلاحية فرض أي جزء من ولايتها، وهو ما يشير إلى التحديات الكامنة في مهام حفظ السلام الدولية التي تعتمد بشكل كبير على التعاون المحلي والدعم السياسي. تعمل الأمم المتحدة على خطط التعاقب الخاصة بها، حيث يقترح أحد المقترحات منح دور متبقٍ لهيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UN Truce Supervision Organisation)، مما يعكس الحاجة إلى استمرارية الوجود الدولي ولكن ربما بشكل مختلف.
وفي يونيو الماضي، عرض الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ثلاثة خيارات على مجلس الأمن الدولي بشأن مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان. تراوحت أعداد الجنود المقترحة في هذه الخيارات بين 900 و 3000 جندي، مقارنة بقوة اليونيفيل التي بلغت حوالي 7000 جندي في يونيو من العام نفسه. تعكس هذه الأرقام تباينًا كبيرًا في حجم القوات المقترحة وتأثيرها المحتمل على الاستقرار الإقليمي، مما يسلط الضوء على النقاشات الجارية حول الحجم الأمثل والفعالية لأي مهمة مستقبلية.
المخاوف من فراغ السلطة وتداعياته الأمنية
يواجه لبنان قصفًا إسرائيليًا شبه يومي، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني الهش في المنطقة ويضع ضغوطاً إضافية على جهود الاستقرار. وقد اتهمت إسرائيل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) بالفشل في منع حشد حزب الله العسكري على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية. هذا الاتهام يلقي بظلاله على فعالية مهمات حفظ السلام الحالية ويثير تساؤلات حول طبيعة أي مهمة بديلة مقترحة، ومدى قدرتها على التعامل مع التحديات الأمنية المعقدة على الأرض.
تأتي هذه التطورات في وقت تستمر فيه المحادثات الدبلوماسية بشأن مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان. وفي أوائل أغسطس، انتهت المحادثات التي جرت في روما دون التوصل إلى اتفاق حول توسيع نموذج المنطقة التجريبية، مما يشير إلى التحديات الكبيرة التي تواجه الجهود الدولية لإيجاد حلول مستدامة للاستقرار الإقليمي. هذا الفشل في الاتفاق يعكس تعقيد الوضع والحاجة إلى توافق أوسع بين الأطراف المعنية، بما في ذلك الأطراف الإقليمية والدولية.
الخلاصة والمسار المستقبلي لجهود الاستقرار
ويواجه لبنان تحديات إقليمية معقدة، حيث لا يزال خُمس أراضيه محتلاً، مما يزيد من تعقيد الوضع الجيوسياسي والأمني. وفي سياق الجهود الدبلوماسية المستمرة، اتفقت إسرائيل ولبنان في أواخر يونيو على إطار عمل يقضي بإنشاء ما يسمى بالمناطق التجريبية. وتهدف هذه المناطق التجريبية إلى توفير نموذج للتعاون المستقبلي وربما تخفيف التوترات على الحدود، على الرغم من أن المحادثات حول توسيع هذا النموذج لم تسفر عن اتفاق في روما مؤخراً.
تأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الأطراف الدولية والإقليمية إلى معالجة الوضع الأمني المتردي في جنوب لبنان ودرء خطر فراغ السلطة المحتمل الذي قد ينجم عن انتهاء ولاية اليونيفيل. إن الحاجة إلى حلول مستدامة تضمن الأمن والاستقرار في جنوب لبنان باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، في ظل التحديات الأمنية المستمرة والوضع الإنساني المعقد في البلاد.